ابن كثير

215

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ - إلى قوله - أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [ الأنعام : 83 - 90 ] وقال سبحانه وتعالى : مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ [ غافر : 78 ] . وفي صحيح البخاري عن مجاهد أنه سأل ابن عباس : أفي ص سجدة ؟ فقال : نعم ، ثم تلا هذه الآية : أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [ الأنعام : 90 ] فنبيكم من أمر أن يقتدى بهم ، قال : وهو منهم ، يعني داود « 1 » . وقال اللّه تعالى في هذه الآية الكريمة : إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا أي إذا سمعوا كلام اللّه المتضمن حججه ودلائله وبراهينه ، سجدوا لربهم خضوعا واستكانة وحمدا وشكرا على ما هم فيه من النعم العظيمة ، والبكي جمع باك ، فلهذا أجمع العلماء على شرعية السجود هاهنا اقتداء بهم واتباعا لمنوالهم . قال سفيان الثوري عن الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر قال : قرأ عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه سورة مريم ، فسجد وقال : هذا السجود فأين البكي ؟ يريد البكاء ، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير ، وسقط من رواته ذكر أبي معمر فيما رأيت ، فاللّه أعلم . [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 59 إلى 60 ] فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ( 59 ) إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً ( 60 ) لما ذكر تعالى حزب السعداء وهم الأنبياء عليهم السلام ، ومن اتبعهم من القائمين بحدود اللّه وأوامره ، المؤدين فرائض اللّه التاركين لزواجره ، ذكر أنه فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أي قرون أخر أَضاعُوا الصَّلاةَ وإذا أضاعوها فهم لما سواها من الواجبات أضيع ، لأنها عماد الدين وقوامه وخير أعمال العباد ، وأقبلوا على شهوات الدنيا وملاذها ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها ، فهؤلاء سيلقون غيا ، أي خسارا يوم القيامة ، وقد اختلفوا في المراد بإضاعة الصلاة هاهنا فقال قائلون : المراد بإضاعتها تركها بالكلية ، قاله محمد بن كعب القرظي وابن زيد بن أسلم والسدي ، واختاره ابن جرير ولهذا ذهب من ذهب من السلف والخلف والأئمة كما هو المشهور عن الإمام أحمد ، وقول عن الشافعي إلى تكفير تارك الصلاة للحديث « بين العبد وبين الشرك ترك الصلاة » « 2 » . والحديث الآخر « العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة ، فمن

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الأنبياء باب 39 ، وتفسير سورة 6 ، باب 5 ، وسورة 38 ، باب 1 ، وأحمد في المسند 1 / 360 . ( 2 ) أخرجه مسلم في الإيمان حديث 134 ، وأبو داود في السنة باب 15 ، والترمذي في الإيمان باب 9 ، وابن ماجة في الإقامة باب 17 ، والدارمي في الصلاة باب 29 .